الشيخ محمد مهدي الآصفي
81
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
هذه الدنيا من متاع الحياة الدنيا - بصورة مؤقتة - ، ويصرف نفسه وقلبه عن كلّ ما يشغل باله وهمّه عن هذه الدعوة . إنّ التلبية من فعل القلب ، وأفعال الجوانح تختلف عن أفعال الجوارح . فليس في وُسع القلب أن يكون له في وقت واحد همّان واهتمامان ، وانشغالان ، وانصرافان واستجابتان ، وذكران ، بعكس الجوارح التي يمكنها أن تمارس في وقت واحد أكثر من فعل واحد . يقول تعالى : ( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) « 1 » . فليس في جوف الإنسان إلّا قلب واحد ، وليس للقلب الواحد إلّا اهتمام واحد . فإمّا أن يصرف الإنسان هذا الاهتمام في الاستجابة إلى الله تعالى ، وإمّا أن يصرفه إلى غير الله ، أو يعطّل الإنسان قلبه ، ويبلّده ، فيكون محلًا لكل شاردٍ وواردٍ ويكون مثله مثل الحوانيت ، فيها من كل بضاعة وسلعة . التلبية استجابة وإعراض : والتلبية استجابة وإعراض ، استجابة لدعوة الله - تعالى - وإعراض عن كلّ دعوة أخرى ، ممّا تلقاها في هذه الدنيا . وليس يدعو الإسلام المسلمينَ إلى الإعراض عن الدنيا ، وليس ينهي الإسلام عن الإقبال على هذه الدنيا وفتنها ، وإنّما يدعوهم إلى أن يجعلوا إستجابتهم لها في طول استجابتهم لدعوة الله وامتدادها ، وليس في عرضها ، وإلى جنبها . وأمّا في « الحج » فلا يتمكّن الحاج أن يستجيب لهذه الدعوة الإلهية وأن يقطع آفاق هذه الرحلة الإبراهيميّة المباركة إن لم يمحّض قلبه واهتمامه وإستجابته لله
--> ( 1 ) الأحزاب : 4